محمد هادي معرفة
159
التمهيد في علوم القرآن
وفواصل « 1 » . على أوضاع مختلفة ، يأخذ منها كل وتر من أوتار القلب نصيبه بسواء ، فلا يعرو الإنسان على كثرة ترداده ملال أو سأم ، بل لا يفتأ يطلب منه المزيد . . . وأحيانا كانت العرب تعمد إلى ما يقرب من هذا النحو من التنظيم الصوتي في أشعارها لكنها كانت تذهب مذهب الإسراف والاستهواء المملّ في الأغلب ، ولا سيما عند التكرير . أما في منثور كلامها ، سواء المرسل منه أو المسجوع ، فلم تكن عهدته قطّ ولا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة والمرونة والعذوبة التي في القرآن الكريم . بل ربما كان يقع لها في أجود منثورها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه ، بما لا يمكن معها من إجادة ترتيله ، إلّا بتعمل يبدو عليه اثر التكلّف والتعسّف الامر الذي كان يحطّ من شأن الكلام . فلا عجب إذا أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن - في خيال العرب - أنه شعر ، وإذا لم يكن بشعر فهو سحر . وهذا يكشف عن مدى بهر العرب وحيرتهم تجاه هذا النوع من الكلام المنضّد البديع ، كان له من النثر جلاله وروعته ، ومن الشعر جماله ومتعته ! ! قال الأستاذ دراز : ويجد الإنسان لذّة بل وتعتريه نشوة إذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن ، خارجة من مخارجها الشحيحة ، من نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها : هذا ينقر ، وذاك يصفر ، وثالث يهمس ،
--> ( 1 ) من مصطلحات الأفنان الموسيقية : « الحرف المتحرك إذا تلاه حرف ساكن ، يقال له : سبب خفيف . والحرفان المتحركان لا يتلوهما ساكن : سبب ثقيل . والمتحركان يتلوهما ساكن : وتد مجموع وإذا توسّطهما ساكن : وتد مفروق . وثلاثة أحرف متحركة : فاصلة صغيرة . وأربعة أحرف متحركة يعقبها ساكن : فاصلة كبيرة » وهكذا . . . ( النبأ العظيم : ص 95 ) . ولعلّ القارئ النبيه يعذرنا في الاقتصار على النقل هنا ، بعد أن كان موضوع البحث من الفنون الخارجة عن اختصاصنا !